أبي منصور الماتريدي

450

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فهذه أعلام أهل الشقاء ، وفيما ذكر اسوداد الوجوه قرن به التكذيب بقوله : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [ آل عمران : 106 ] ، وفيما ذكر دفع الكتاب بالشمال ومن وراء الظهور ، قال فيه : فَاسْلُكُوهُ [ الحاقة : 32 ، 33 ] ، وقال : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ إلى قوله - عزّ وجل - : إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ . بَلى . . . الآية [ الانشقاق : 10 - 15 ] وقال - تعالى - عندما ذكر خفة الميزان : أَ لَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ [ المؤمنون : 105 ] ، ولم يذكر عند ذكر شيء من هذه الأعلام غير المكذبين ، فثبت أن الوعيد في المكذبين لا في غيرهم ؛ لذلك لم يسع لنا أن نشرك أهل الكبائر مع أهل التكذيب في استيجاب العقاب ، وقطع القول بالتخليد ، بل وجب الوقف في حالهم والإرجاء في أمرهم . والثاني : ذكر في مواضع الإيمان بالله - تعالى - أدنى مراتب أهل الإيمان ، ووعد عليه الجنة ، فقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ [ الحديد : 19 ] ، وقال في موضع آخر : وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [ الحديد : 21 ] ، وقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ . . . الآية [ النساء : 152 ] ، فذكر في هذه الآيات التي تلوناها أدنى منازل أهل الإيمان ، وذكر في موضع آخر أعلى مراتب أهل الإيمان ، ووعد عليها الجنة بقوله : إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ . . . الآية [ العصر : 3 ] ، وقال : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . . . الآية [ البقرة : 177 ] ؛ فجائز أن يكون ذكر الجميع على المبالغة لا على جعله شرطا ؛ فيجب القول باستيجاب الوعد بأدنى مراتبه ، على ما ذكر في الآيات الأخر . وجائز أن يكون الجميع « 1 » فيما ذكر فيه الإيمان بالله ورسله مضمرا ، ويكون ذكر طرفا منه على الإيجاز ؛ ألا ترى أنه ذكر الكفر في بعض المواضع ، وأوعد عليه النار ، وذكر في بعض المواضع الكفر مع أسباب أخر ، وأوعد عليه النار بعد ذلك بقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ . . . الآية [ البقرة : 61 ] ، وقال في موضع آخر : قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ . وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ . . . الآية [ المدثر : 43 ، 44 ] ، ثم لم يصر جميع ما ذكر من السيئات مع الكفر شرطا ، بل وجب القول بالتخليد لمن اقتصر على الكفر خاصة ؛ فثبت أن ليس في ذكر المبالغة دلالة جعل المبالغة شرطا ، بل جائز أن يستوجب الوعيد بدونه ؛ فلذلك لم يقطع القول في أصحاب الكبائر بالتخليد في النار ، ولا بأنهم مستوجبون للوعد ؛ بل قيل فيهم بالإرجاء .

--> ( 1 ) في ب : الجمع .